Uncategorized

الإمارات العربية المتحدة: شراكة الاستقرار وحدود إدارة الخلاف داخل التحالفات

الإمارات العربية المتحدة: شراكة الاستقرار وحدود إدارة الخلاف داخل التحالفات

وقت القراءة : 5 دقائق

الإمارات العربية المتحدة: شراكة الاستقرار وحدود إدارة الخلاف داخل التحالفات

د.عديل الطهيش

مقدمة

تتسم التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط بدرجة عالية من التعقيد، نظراً لتداخل التهديدات الأمنية، وتشابك المصالح السياسية، وتعدد الفاعلين الرسميين وغير الرسميين. وفي هذا السياق، تمثل الثقة المتبادلة وإدارة الخلافات ضمن أطر مؤسسية مغلقة ركناً أساسياً في استدامة أي شراكة استراتيجية. غير أن التحولات الأخيرة في طبيعة الخطاب المتبادل بين بعض أطراف التحالف كشفت عن اختلالات في إدارة التباين، بما ينذر بتداعيات تتجاوز الخلاف الآني إلى بنية التحالف ذاته. ويهدف هذا التحليل إلى تفكيك أبعاد هذا الخلل من خلال قراءة الدور الإماراتي في اليمن، وتقدير انعكاساته على الأمن الإقليمي ومنطق الشراكات الاستراتيجية.

أولاً: خلفية الموقف والسياق الإقليمي

جاءت الشراكة مع دولة الإمارات العربية المتحدة في لحظة إقليمية اتسمت بتآكل مؤسسات الدولة في عدد من الساحات العربية، وتنامي أدوار الفاعلين من غير الدول، واتساع رقعة التهديدات العابرة للحدود. وفي الحالة اليمنية تحديداً، شكّل انهيار المنظومة الأمنية وتفكك السلطة المركزية عاملاً ضاغطاً استدعى تدخلاً إقليمياً سريعاً لمنع تحوّل البلاد إلى بؤرة مفتوحة للفوضى والتطرف.

في هذا الإطار، لم يكن الانخراط الإماراتي خياراً سياسياً عادياً، بل قراراً استراتيجياً استند إلى قراءة عميقة لمعادلات الأمن الإقليمي، ولا سيما ما يتعلق بأمن الممرات البحرية، وسلامة خطوط التجارة الدولية، ومنع تشكّل فراغات أمنية قابلة للاستثمار من قوى معادية أو تنظيمات متطرفة.

ثانياً: طبيعة الإشكالية وتحول الخلاف

يُعدّ اختلاف التقديرات بين الدول أمراً طبيعياً في العلاقات الدولية، بل قد يكون مؤشراً على حيوية النقاش داخل التحالفات. إلا أن الإشكالية الراهنة لا تتصل بوجود الاختلاف، بل بطريقة إدارته حين انتقل من قنوات التنسيق المؤسسية إلى المجال العام، متضمناً تشكيكاً مباشراً في نيات ودور أحد الشركاء الرئيسيين.

هذا التحول لا يحمل بعداً سياسياً فحسب، بل يعكس إشكالية أعمق تتعلق بإعادة تعريف الشراكة نفسها، وتحويلها من التزام طويل الأمد إلى ترتيب قابل للمساءلة العلنية وفق اعتبارات ظرفية. وهو مسار يضعف مناعة التحالفات، ويجعلها أكثر عرضة للتأثر بالضغوط الإعلامية والحسابات التكتيكية قصيرة المدى.

ثالثاً: تقييم الدور الإماراتي في اليمن ضمن منظور الأمن الجماعي

منذ بداية انخراطها في اليمن، اتسم الدور الإماراتي بطابع عملي ميداني، ركّز على معالجة مكامن الخلل الأمني، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمة سياسياً. وقد تجلى ذلك في دعم تشكيلات أمنية محلية، ومكافحة التنظيمات المتطرفة، وتأمين مناطق استراتيجية ذات حساسية إقليمية عالية.

كما تميز هذا الدور بتحمّل كلفة بشرية ومادية معتبرة، في وقت كانت فيه بدائل أقل كلفة سياسياً متاحة. ويعكس هذا المسار التزاماً بمفهوم الأمن الجماعي، القائم على أن استقرار اليمن يشكّل جزءاً لا يتجزأ من استقرار الإقليم، وأن ترك الساحة للفوضى كان سيقود إلى نتائج تتجاوز الجغرافيا اليمنية نحو البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الإفريقي.

رابعاً: الانعكاسات الاستراتيجية لإدارة الخلاف

إن إدارة الخلافات بين الشركاء عبر التشكيك العلني لا تقتصر آثارها على العلاقة الثنائية، بل تمتد إلى مجمل منظومة الأمن الإقليمي. فتآكل الثقة ينعكس مباشرة على فعالية التنسيق الاستخباراتي والعسكري، ويضعف القدرة على الردع المشترك، ويفتح المجال أمام الفاعلين المعادين لاستغلال التباينات الداخلية كما يؤدي هذا النهج إلى إعادة خلط الأوراق داخل الساحات الهشة، حيث تستثمر القوى المناوئة أي تصدع داخل التحالفات لتعزيز نفوذها، وتقديم نفسها بوصفها بديلاً أو طرفاً أقل كلفة. وبذلك، يتحول الخلاف الداخلي من مسألة قابلة للإدارة إلى عامل يهدد توازنات الاستقرار على المدى المتوسط.

خامساً: التقدير الاستراتيجي للموقف

من منظور استراتيجي، تُقاس المواقف بآثارها الفعلية لا بخطابها الإعلامي. وفي هذا السياق، فإن التشكيك في دور شريك محوري لا يعزز الموقف السياسي أو الأمني، بل يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها إضعاف التحالف وتقويض شرعيته الأخلاقية. كما أن إعادة توصيف التضحيات بمنطق انتقائي تخلق فجوة ثقة يصعب احتواؤها، وتحوّل الخلاف من تباين قابل للإدارة إلى أزمة بنيوية في العلاقة.

ويُظهر هذا التقدير أن الحفاظ على التحالفات لا يتطلب تطابقاً كاملاً في الرؤى، بقدر ما يتطلب إدارة رشيدة للخلافات، تقوم على التحقق والتنسيق واحترام ما قُدّم في لحظات الشدة.

سادساً: آفاق المآلات المحتملة

تشير المعطيات الراهنة إلى أن المآل الأكثر استقراراً يتمثل في إعادة احتواء الخلاف ضمن القنوات المؤسسية، بما يضمن استمرار التنسيق الأمني ويحافظ على منطق الشراكة. أما استمرار إدارة الخلاف عبر التشكيك العلني، فينذر بإعادة تموضع الأطراف بطريقة تؤثر سلباً على الأمن المشترك، ليس بوصفه انسحاباً من الالتزامات، بل تعبيراً عن رفض إدارة الأدوار والتضحيات بمنطق الاتهام وفي هذا السياق، يبقى الحفاظ على كرامة التضحيات عاملاً حاسماً في تحديد مسار العلاقة، إذ لا يمكن لأي شراكة أن تستمر إذا جرى التعامل مع سجلها الميداني بوصفه مادة قابلة للمراجعة السياسية الآنية.

سابعاً: دلالات خاصة بالساحة الجنوبية

على مستوى الجنوب ، تكتسب هذه التطورات بعداً إضافياً، نظراً لارتباط الاستقرار الجنوبي مباشرة بمعادلات الأمن الإقليمي والملاحة الدولية. وقد أسهم الدور الإماراتي في تعزيز قدرات القوى المحلية في مواجهة التهديدات، وهو ما يجعل أي تشكيك في هذا الدور ذا تأثير مباشر على توازنات الاستقرار في الجنوب، وعلى مسارات بناء الدولة والأمن المحلي .

وخلاصة القول أن الشراكات الاستراتيجية المستدامة لا تُدار عبر الخطاب التصعيدي، بل عبر الإنصاف، والتحقق، واحترام الالتزامات المتبادلة. فمن أسهم في حماية الاستقرار لا تُعاد مساءلة نياته بمعزل عن الوقائع، ومن تحمّل الكلفة لا يُختزل دوره في قراءات ظرفية. وفي ميزان السياسة والتاريخ، تبقى الأفعال الميدانية والنتائج الاستراتيجية هي المعيار الحاسم في تقييم الشراكات، لا السجالات العابرة أو الضغوط الإعلامية

شارك

الأكثر تفاعلًا
آخر الإصدارات
القائمة